الأسطوات

الأسطى أوقان قارسلي أوغلو| Okan Karslıoğlu

من بايزيد إلى المخرطة، رحلة خراط وجد في السبح مساحة تجمع بين الحرفة والتأمل والبحث عن أسلوبه الخاص

بداية لم تأتِ من العائلة

وُلد الأسطى أوقان قارسلي أوغلو (Okan Karslıoğlu) في إسطنبول عام 1987، وبدأ ممارسة فن خراطة السبح قبل نحو عشرة أعوام، وإن كان اهتمامه بالسبح أقدم من ذلك.

لم يرث أوقان المهنة عن عائلته، فلم يكن بين أفرادها من يعمل في صناعة السبح. جاءت البداية من اهتمام شخصي بعالم كان حاضراً حوله، وبحرفة لفتت انتباهه لانتشار السبح واستخدامها في البيئة التي نشأ فيها.

ومع الوقت، لم يعد الاهتمام مقتصراً على اقتناء المسباح أو معرفته، بل امتد إلى السؤال عما وراء القطعة نفسها: كيف صُنعت؟ وكيف تتحول الخامة في يد ألخراط إلى مسباح له شكله وشخصيته؟


 بايزيد… من تجارة السبح إلى خراطتها

كان لمنطقة بايزيد في إسطنبول دور مهم في بداية رحلة أوقان، وتحديداً المكان المعروف باسم تشينار ألتي (Çınaraltı)، الذي ارتبط بتجارة السبح وتداولها بين المهتمين بها. هناك بدأ أوقان بتجارة السبح، ومنها اتسعت معرفته بالخامات والأشكال وتفاصيل القطع، وأصبح أكثر قرباً من عالمها، قبل أن تقوده هذه المرحلة إلى خطوة مختلفة تماماً.

ففي تشينار ألتي التقى بالأسطى مصطفى عسكر، وكان ذلك اللقاء نقطة التحول من تجارة المسباح إلى تعلم صناعته. تتلمذ أوقان على يده في الخراطة، ولازمه باستمرار، وتبادلا الكثير من المعلومات والخبرات المتعلقة بالحرفة. وهكذا لم تبدأ علاقته بالخراطة من المخرطة مباشرة، بل سبقتها تجربة في تجارة السبح ومعرفتها، قبل أن ينتقل من التعامل مع القطعة مكتملة إلى تعلّم كيف تبدأ.


بين المخرطة والقوس

يمارس أوقان الخراطة باستخدام المخارط الحديثة، لكنه لم يكتفِ بإتقان أدوات الحاضر، فقد تعلّم أيضاً خراطة القوس (Kemane Torna)، وهي الطريقة التقليدية القديمة التي كانت تُخرط بها السبح قبل ظهور المخارط الحديثة.

وفي خراطة القوس، لا تدور القطعة باستمرار كما في المخرطة الحديثة، بل تتحرك ذهاباً وإياباً بحركة يدوية يتحكم فيها الخراط بواسطة القوس، وهو ما يجعلها أسلوباً مختلفاً في إيقاع العمل وطريقة التعامل مع الخامة.

بالنسبة لأوقان، لم يكن تعلّم هذه الطريقة بديلاً عن المخرطة الحديثة، بل امتداداً لمعرفته بالحرفة وحرصه على إبقاء أحد أساليبها القديمة حاضراً في ممارسته.

ويمتد هذا الاختلاف بين الطريقتين إلى توقيع أعماله أيضاً، فللسبح المخروطة بالقوس توقيع، ولتلك المخروطة بالمخرطة الحديثة توقيع آخر.


بعيداً عن التقليد

لا يميل أوقان إلى تكرار ما يصنعه الآخرون، ويفضل أن يترك لنفسه مساحة للتجربة والخروج عن الأشكال المألوفة. فبالنسبة إليه، تعلّم أصول الحرفة لا يعني أن يبقى الصانع أسيراً لما تعلّمه، بل أن يستخدم تلك المعرفة ليجد طريقته الخاصة في العمل.

ولهذا يحرص على متابعة فن خراطة السبح بمختلف أساليبه، ويظل مهتماً بما يقدمه الصنّاع وما يتطور داخل الحرفة. فالمتابعة بالنسبة إليه جزء من التعلّم المستمر، بينما تبقى النتيجة التي يبحث عنها مرتبطة بفكرته واختياراته، لا بمجرد إعادة ما سبق أن صنعه الآخرون.


لكل خامة طبيعتها

يتنقل أوقان في أعماله بين الخامات المصنّعة والطبيعية، ويجد في الخامات المصنّعة مساحة واسعة للتجربة، خصوصاً مع تنوع ألوانها وما تتيحه من خيارات عند تشكيل المسباح. كما يعمل على خامات طبيعية مختلفة، مثل الأخشاب والعاج، ويجد في ثمرة الكوك (Kuka) تحدياً خاصاً، فصعوبتها بالنسبة إليه تبدأ منذ مرحلة اختيار الثمرة وفرزها، لما قد تخفيه داخلها من ألياف أو تشققات قد تؤثر في الخراطة والنتيجة النهائية. وهذا الاختلاف في طبيعة الخامات يجعل لكل مادة تجربتها ومتطلباتها في العمل.


الخراط والخامة… أين يبدأ الجمال؟

لكل من ينظر إلى المسباح زاويته، فقد يراه الجامع في ندرة خامته وعمرها، وقد تستوقف آخر ألوانه أو تصميمه أو دقة تفاصيله. أما أوقان، فيراه أولاً بعين الخراط، تلك العين التي تعرف ما مرّ به المسباح قبل أن يصل إلى صورته الأخيرة.

بالنسبة إليه، الخراطة ليست مجرد تشكيل للخامة، بل مساحة من التأمل والصبر يضع فيها الخراط شيئاً من فكره وروحه. ولهذا حين يتحدث أوقان عن جمال المسباح، فإنه يمنح الخراط المكانة الأولى ثم الخامة.

وقد نختلف في ترتيب هذه العناصر، وربما لا يحتاج الجمال إلى ترتيب أصلاً، فالمسباح الجميل قد يكون حصيلة اجتماع الخامة واللون والندرة والعمر والتصميم وجودة الخراطة في قطعة واحدة. لكن ما تضيفه نظرة أوقان هو تذكيرنا بعنصر قد يختبئ أحياناً خلف بريق الخامة: اليد التي منحتها شكلها.

ومن هنا يمكن فهم القيمة التي يضعها أوقان في توقيع الخراط، فهو بالنسبة إليه ليس مجرد علامة على القطعة، بل توثيق لهوية من خرطها ونسبة العمل إليه.


اعمال وتوقيع الأسطى أوقان قارسلي أوغلو


لا تكتمل معرفة أعمال الخراط دون معرفة العلامات التي ينسب بها القطعة إلى نفسه.

ويُعد أوقان من الخراطين القلائل الذين يستخدمون توقيعين مختلفين لأعمالهم، أحدهما يميز المسباح الذي تمت خراطته بالطريقة التقليدية باستخدام القوس، والآخر يميز الأعمال التي تمت خراطتها باستخدام المخرطة الحديثة. وبذلك لا يوثّق التوقيع هوية الخراط فحسب، بل يشير أيضاً إلى الطريقة التي صُنعت بها القطعة

من أعمال الأسطى اوقان
من أعمال الأسطى اوقان
من أعمال الأسطى اوقان
من أعمال الأسطى اوقان
توقيع الأسطى اوقان
توقيع الأسطى اوقان

 


حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي

للاطلاع على أحدث أعمال الأسطى اوقان، يمكن زيارة حساباته الرسمية في وسائل التواصل الاجتماعي:

انستقرام : @okankarsliogl_u

 


المصادر

لقاء مع الأسطى أوقان قارسلي أوغلو (Okan Karslıoğlu)، YouTube.


💡 كلمة من Peaksera

تمثل تجربة أوقان قارسلي أوغلو نموذجاً لخراط جمع بين أدوات الخراطة الحديثة ومعرفته بخراطة القوس التقليدية، مع اهتمام مستمر بالتعلم والتجربة والبحث عن أسلوبه الخاص. وتعكس تجربته صورة من صور استمرار حرفة خراطة السبح، حرفة تتغير أدواتها وأساليبها مع الزمن، بينما تبقى المعرفة المتوارثة جزءاً مهماً من هويتها.

وفي Peaksera، نؤمن بأن توثيق مسيرة الخراطين، سواء كانوا من الرواد أو من الأسماء المعاصرة، يسهم في حفظ جانبٍ مهم من التراث الحرفي المرتبط بالسبح، ويمنح الهواة والباحثين مرجعاً يوثق التجارب والخبرات والأعمال للأجيال القادمة.

آخر تحديث: 12 أغسطس 2026

(+2 rating, 1 votes)


اكتشاف المزيد من Peaksera

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

هل لديك سؤال عن هذا الموضوع؟

اسأل بيكسيرا، وستصلك إجابة مما وثّقناه في المقالات والمكتبة، مع روابط مصادرها.

اطرح سؤالك

Peaksera

منصة معرفية عربية تهدف إلى تقديم محتوى موثوق وعالي الجودة في التقنية، والمراجعات، والدروس، والأبحاث.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من Peaksera

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة