على مائدة الطعام
قائمة الطعام: حين نترك ما لا نريد، فيغيّر قيمة ما نريد

وضع النادل قائمة الطعام أمامي، وانصرف في هدوء، تاركاً لي ما حسبتُه حرية الاختيار.
أخذت أتصفح الأطباق واحداً بعد آخر، حتى استوقفتني في أعلى الصفحة وجبةٌ بلغ ثمنها حداً جعلني أعيد النظر في الرقم، كأنني أبحث عن خطأ مطبعي. وتساءلت عمن عساه يدفع هذا المبلغ في طبقٍ واحد، ثم مضيت ببصري إلى بقية القائمة.
كانت الأسعار مرتفعة هي الأخرى، غير أن شيئاً غريباً قد طرأ عليها؛ فما كنت سأراه باهظاً قبل لحظات بدا الآن معقولاً، وما كنت سأعدّه ترفاً أصبح اختياراً وسطاً لا يخلو من الحكمة.
اخترت طبقي، وأغلقت القائمة، وفي نفسي ارتياح رجلٍ أحسن التدبير. ولم يخطر لي آنذاك أن الطبق الذي استوقفني أول الأمر ربما كان قد أدّى مهمته، وإن ظل طوال المساء دون مشترٍ. فقد يكون بعض ما يُعرض للبيع موضوعاً هناك ليبيع غيره.
على منضدة الخامات
ولقد وجدت لهذه الحكاية وجهاً آخر في عالم السبح، ذلك العالم الذي تتجاوز فيه قيمة بعض الخامات حدود المنفعة إلى الندرة والتاريخ والذوق.
تخيّل منضدةً عُرضت عليها خاماتٌ متعددة، تتصدرها قطعة نادرة بلغ ثمنها مبلغاً يثير الدهشة. يقف أمامها الهواة، ويتأملون لونها وتفاصيلها، وربما تناقلوها بحذرٍ بين أيديهم، ثم أعادوها إلى موضعها، وقد استقر في أذهانهم رقمٌ يصعب نسيانه.
وعلى مقربةٍ منها قطعةٌ أخرى، لا يقل ثمنها ارتفاعاً في ذاته، لكنها تبدو إلى جوار الأولى أقرب منالاً، وأحسن فرصة.
وهنا قد يقع الاختيار.
يمضي المشتري بقطعته الجديدة، راضياً عما دفع، وربما حدث نفسه بأنه قد وفّر مبلغاً كبيراً، مع أنه أنفق مالاً لم يكن ينوي إنفاقه لو عُرضت عليه القطعة منفردة.
ولا يعني ذلك أن القطعة لا تستحق ثمنها؛ فللخامات النادرة اعتباراتٌ لا يدركها إلا من عرف لها، وللجودة والتاريخ والحالة أثرٌ لا يجوز إغفاله.
ولكن الفارق بين السؤالين كبير:
كم تستحق هذه القطعة؟ وكم وفّرتُ حين اخترتها بدلاً من الأخرى؟
فالأول يسأل عن قيمة الشيء، والثاني يسأل عن المسافة بين سعرين. وكم من مسافةٍ بدت لنا ربحاً، ونحن لم نتحقق بعد مما إذا كانت الوجهة تستحق الرحلة.
حين كانت العين ميزاناً
وأحياناً أجدني أميل بخيالي إلى صورة الأسواق القديمة، حيث يجلس التاجر وراء بضاعته، وقد أورثته السنين معرفةً لا تُكتب على بطاقات الأسعار.
يتناول القطعة، يقلبها بين يديه، يتأمل لونها وصناعتها، ثم يذكر ثمنها في هدوء من يعرف ما يقول.
ويقف أمامه مشترٍ لا يسأل عن السعر وحده، وإنما عن الأصل والحالة والجودة، وعن أمورٍ لا يعرفها من لم يعاشر تلك التجارة.
ولا أزعم أن الأسواق القديمة كانت بريئةً من الحيل؛ فالبيع والشراء عرفا المساومة والمبالغة منذ عرف الناس النقود. وربما كان في بعض ما مضى من الخداع ما يفوق ما نراه اليوم.
غير أن في تلك الصورة معنىً يستحق أن نتذكره: أن معرفة الشيء قد تسبق معرفة ثمنه، وأن الخبرة قد تكون ميزاناً أصدق من المقارنة العاجلة.
ولعل ما يستوقفني في الأمر هو تبدل السؤال.
كان السؤال الذي أتصوره على لسان المشتري الخبير: هل تستحق هذه القطعة ما يُطلب فيها؟ أما السؤال الذي يسهل أن يتسلل إلينا اليوم فهو: أليست أرخص من تلك؟.
وبين السؤالين فرقٌ يشبه الفرق بين من ينظر إلى الشيء بعينيه، ومن يستعير عيني جاره ليراه.
السعر الذي لم يدفعه أحد
كلما عدت بذاكرتي إلى قائمة الطعام، وإلى تلك المنضدة التي تتجاور عليها الخامات، أدركت أن الأرقام التي لم ندفعها قد تترك أثرها في حياتنا. ففي حياتنا أرقامٌ كثيرة لم ندفعها، لكنها غيّرت نظرتنا إلى ما نملك وما نريد.
منزلٌ فخم رأيناه فبدا منزلنا أصغر مما كان، وثروةٌ سمعنا بمقدارها فشعرنا أن ما جمعناه قليل، وسبحةٌ نادرة بلغ ثمنها الآفاق، فأصبحت في أذهاننا مقياساً نقارن به ما نراه بعدها.
والعجيب أن شيئاً مما نملك لم يتغير. فالبيت هو البيت، والمال هو المال، والقطعة التي أعجبتنا بالأمس لم تفقد شيئاً من جمالها.
كل ما حدث أن رقماً جديداً دخل حياتنا، فاختلّ به الميزان القديم.
وربما كان من الحكمة أن نتريث قبل أن نسمح للأرقام بأن تعلّمنا قيمة الأشياء؛ أن نسأل عن حاجتنا قبل أن نسأل عن الفرصة، وعن جودة ما نشتري قبل أن ننشغل بما نظن أننا وفرناه.
وأعود إلى ذلك الطبق الباهظ الذي تركته في أعلى القائمة، فأبتسم لفكرةٍ لم تخطر لي يوم اخترت طعامي: لقد خرجت من المطعم دون أن أشتريه، ومع ذلك ربما كان له نصيبٌ من المال الذي دفعته.
وهكذا نمضي راضين بما اخترناه، ولا يخطر لنا أن بعض الأشياء التي تركناها وراءنا، لم تتركنا حين مضينا؛ فقد بقيت في الخفاء، تشاركنا الاختيار
💡 كلمة من Peaksera
تتأثر نظرتنا لأسعار المنتجات بما يقابلها من بدائل؛ فالغالي قد يبدو رخيصاً إذا وُضع بجوار الأغلى منه. والوعي الشرائي السليم يتطلب وقفة تساؤل: هل نحتاج المنتج لذاته، وهل يستحق قيمته الفعلية؟ دون أن نجعل المقارنات المباشرة مقياساً مضللاً لقراراتنا
اكتشاف المزيد من Peaksera
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
هل لديك سؤال عن هذا الموضوع؟
اسأل بيكسيرا، وستصلك إجابة مما وثّقناه في المقالات والمكتبة، مع روابط مصادرها.




